جيرترود بيل والشرق الأوسط: مِن عالمة آثار إلى بانية للدولة ومخبرة محتملة

اقتبس هذه المقالة

عرض عام

في ركنٍ في المقبرة البريطانية في بغداد، ترقد جيرترود بيل، وكانت عالمة آثار ومستكشفة ومسؤولة سياسية وأكثر من ذلك. فمَن كانت وكيف أصبحت تمتلك كل هذا النفوذ؟

كانت جيرترود بيل عالمة آثار ومستكشفة ومسؤولة سياسية. وفي دورها الأخير، أصبحت شخصية بارزة في تاريخ بناء الدولة الإمبريالية البريطانية في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من استخفاف بعض أقرانها من الرجال بها وازدرائهم لها في كثير من الأحيان، فقد برزت كامرأة رائدة في عالم الرجال وملتزمة بمنطق الإمبريالية البريطانية أثناء إعادة تعريف الأخيرة لبلاد الرافدين بعد الحرب العالمية الأولى.

صورة فوتوغرافية لجيرترود بيل، مع رئيس أعمال بناء السكك الحديدية في بغداد، ميسنر باشا (الثاني من اليمين)، مارس ١٩١٤. جامعة نيوكاسل، GB/3/1/25/1/388. رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف-الترخيص بالمثل (CC BY-SA 4.0)
صورة فوتوغرافية لجيرترود بيل، مع رئيس أعمال بناء السكك الحديدية في بغداد، ميسنر باشا (الثاني من اليمين)، مارس ١٩١٤. جامعة نيوكاسل، GB/3/1/25/1/388. رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف-الترخيص بالمثل (CC BY-SA 4.0)

السنوات التكوينية

وُلدت بيل في عائلة ثرية جدًا من شمال شرق إنجلترا، كانت تكسب ثروتها من خلال الابتكار الصناعي، والتحقت بكلية ليدي مارجريت هول النسائية التي كانت قد تأسست حديثًا في أكسفورد، عام ١٨٨٣. وكانت أول امرأة تتخرج في التاريخ الحديث بمرتبة الشرف الأولى من جامعة أكسفورد، ولكن لكونها امرأة، لم تحصل على درجة علمية رسمية من الجامعة إلا بأثر رجعي في عام ١٩٢٠. وتوفّيت والدة بيل عندما كانت صغيرة جدًا، وتزوج والدها مرة أخرى، وظلت بيل تراسله طوال حياتها. إن هذه الخسارة المبكرة لوالدتها، والبعد عن والدها، وخيارات حياتها غير التقليدية بالنسبة لذلك العصر، دفعت الباحثين إلى دراسة سنواتها التكوينية عن كثب، في محاولة لفهم كيف أثّرت هذه العوامل في أعمالها اللاحقة وعلاقاتها.

جاذبية "الشرق"

سافرت بيل إلى طهران لأول مرة في عام ١٨٩٢، عن طريق زوج خالتها، فرانك لاسيليس، الذي كان السفير البريطاني فيما كان يعرف آنذاك ببلاد فارس. وكتبت بيل عن رحلتها نحو الشرق ما يلي: "في بعض النواحي، الأمر أسهل مما هو عليه في أوروبا. ستجد في الشرق عادات خاصة بالتواصل أقل تقييدًا بالأغلال المصطنعة، وتسامحًا أوسع يولد من تنوع أكبر" (بيل، "سوريا البادية والغوطة"، ص. x). ووجدت بيل هناك حريةً بعيدًا عن التوقعات المفروضة على النساء من الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها في إنجلترا. وأصبحت تجيد عدة لغات وأدّت دورًا كبيرًا في إعادة رسم الشرق الأوسط في أعقاب انهيار الدولة العثمانية.

خريطة مبدئية رسمتها بيل تبيّن المنطقة الواقعة غرب معرة النعمان في سوريا، ١٩٠٥. Add MS 45158 C، ص. ١و
خريطة مبدئية رسمتها بيل تبيّن المنطقة الواقعة غرب معرة النعمان في سوريا، ١٩٠٥. Add MS 45158 C، ص. ١و

وفي عام ١٩١١، سافرت بيل إلى دمشق، ودوّنَت ملاحظات مفصّلة عن المعالم المعمارية، ثم إلى حائل في شبه الجزيرة العربية. ولفتت تحركاتها انتباه المخابرات العثمانية: "عندما أصبحت السلطة العثمانية في بلاد الرافدين ضعيفة بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى، باتت بيل تُعتبر وكيلة سياسية لدى الجهاز الإمبراطوري البريطاني وجاسوسة" (ماديرن).

مقتطف من ملاحظات بيل بلغات متعددة عن العمارة في دمشق، ١٩١١. Add MS 45158 A، ص. ٢و
مقتطف من ملاحظات بيل بلغات متعددة عن العمارة في دمشق، ١٩١١. Add MS 45158 A، ص. ٢و

وفي أكتوبر ١٩١٤، دخلت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا والنمسا-المجر. وفي نوفمبر ١٩١٥، طُلب من بيل العمل في مجموعة أصبحت لاحقًا المكتب العربي المسؤول عن الاستخبارات العسكرية البريطانية في الشرق الأوسط.

المسيرة السياسية

تمتعت بيل بإلمام واسع بالسياق العرقي والسياسي والجغرافي المحلّي، بالإضافة إلى قدرات لغوية وعلاقات مع أصحاب السلطة، ما أدى إلى تعيينها مسؤولة سياسية في البصرة، حيث اهتمّت بتحليل التطورات السياسية في المنطقة. وفي عام ١٩١٦، زارت المحمرة في بلاد فارس، وأبدت رأيها في الشيخ خزعل في رسالة موجهة إلى والدها. وكتبت أيضًا تقريرًا قيّمت فيه التمرد ضد سلطان مسقط وعُمان.

وفي عام ١٩١٧، قدّمت بيل إحاطةً إلى هاري سانت جون بريدجر فيلبي قبل بعثته إلى نجد. وبعد مرور سنتين، شاركت في المؤتمر بين الإدارات حول شؤون الشرق الأوسط، وفي عام ١٩٢١، حضرت مؤتمر القاهرة، وشكّل المؤتمران لحظتين محوريتين للسياسة البريطانية في المنطقة. وعلى الرغم من أن بيل حظيت باحترام عدد كبير من الذين عملوا معها، تعرّضت لتمييز ضد النساء ، لاسيما من مارك سايكس، صاحب اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة.

سكرتيرة شرقية للعراق

في أعقاب انهيار الدولة العثمانية، أقرت عصبة الأمم صك الانتداب البريطاني على بلاد الرافدين. وقدّمت الإمبراطورية البريطانية نفسَها على أنها الجهة المحرِّرة من الحكم التركي، إلا أن الشعب العراقي قاد ثورة في عام ١٩٢٠ ضد خطط الحكم البريطانية. وفي غضون بضع سنوات، أسست بريطانيا كلًا من النظام الملكي في العراق والدولة العراقية الحديثة.

وعلى الرغم من تعيين بيل سكرتيرة شرقية في عام ١٩٢٣، إلا أنها كانت تخدم في هذا المنصب فعليًا منذ عام ١٩١٧ تحت إشراف السير بيرسي كوكس، الذي أصبح المندوب السامي للعراق. وكانت السياسة البريطانية تجاه الأكراد من أهم المسائل آنذاك. وانقسمت الآراء في أوساط المسؤولين الرسميين البريطانيين. فأيّد معسكرٌ يتضمن الرائد إيلي سون منح الأكراد درجة عالية من الحكم الذاتي، بل وحتى الاستقلال، بينما اعتقد معسكرٌ آخر، وعلى رأسه كوكس وبيل، بأهمية إدراج منطقتي السليمانية وأربيل الكرديتين ضمن الدولة العراقية الجديدة في ظل حكم الملك فيصل. 

صورة فوتوغرافية لنزهة في قطيسفون، العراق، تتضمن جيرترود بيل والملك فيصل (الثاني من اليمين)، ١٩٢١. جامعة نيوكاسل، GB/PERS/B/018. رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف-الترخيص بالمثل (CC BY-SA 4.0)
صورة فوتوغرافية لنزهة في قطيسفون، العراق، تتضمن جيرترود بيل والملك فيصل (الثاني من اليمين)، ١٩٢١. جامعة نيوكاسل، GB/PERS/B/018. رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف-الترخيص بالمثل (CC BY-SA 4.0)

ورأى كوكس وبيل أن دمج المنطقتين يخدم غرضًا مفيدًا. وبما أن غالبية الأكراد كانوا من السنّة، فإنهم، إلى جانب العرب السنّة، سيوازنون الأغلبية الشيعية من السكان. واعتبر بعض المسؤولين البريطانيين هذا التوازن الطائفي أساسيًا لإضفاء الشرعية على حكم الملك فيصل.وعُرف هذا النهج بـ "الحل الشريف"، حيث تكون عائلة شريف مكة موالية للملوك البريطانيين في الدول الجديدة في الشرق الأوسط. وسعت بيل إلى تطبيق هذه السياسة، إلا أنها أعربت عن أسفها حيال الطبيعة المتسرعة لقرارات بريطانيا. ففي رسالة وجهتها إلى زوجة والدها بتاريخ أبريل ١٩١٦، كتبت التالي: "على الصعيد السياسي أيضًا، اندفعنا إلى العمل بتجاهلنا المعتاد للمخطط السياسي الشامل" (نيوكاسل، GB/1/1/1/1/25/14).

وفي عام ١٩٢٢، عيّن الملك فيصل بيل مديرة فخرية لدائرة الآثار، حيث وجدت العزاء في سنواتها الأخيرة. وفي رسالة وجّهتها إلى والدها بتاريخ مايو ١٩٢٦، كشفت أنها منشغلة بالمطالعة لفهم كيفية ترتيب المتحف الوطني الأول في العراق. وشُيّد مبنى دائم للمتحف قبل أشهر قليلة من وفاتها ذلك العام. وبفضل دور بيل في استكشاف تراث العراق، وتأسيس ما أصبح المتحف الوطني الأول في البلاد، غالبًا ما تحظى بتقدير كبير في أوساط علماء الآثار العراقيين.

صورة فوتوغرافية تبين بيل على ظهر الخيل. التُقطت في العراق، ١٩١٤-١٩٢٦. جامعة نيوكاسل، GB/PERS/B/004A. رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف-الترخيص بالمثل (CC BY-SA 4.0)
صورة فوتوغرافية تبين بيل على ظهر الخيل. التُقطت في العراق، ١٩١٤-١٩٢٦. جامعة نيوكاسل، GB/PERS/B/004A. رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف-الترخيص بالمثل (CC BY-SA 4.0)

الوفاة والإرث

توفّت جيرترود بيل قبل يومين من عيد ميلادها الثامن والخمسين في عام ١٩٢٦ بسبب تناولها جرعة زائدة من الحبوب المنوّمة. وبحسب التقارير، ماتت في حالة من الوحدة واليأس، لكنها كانت تعلم أنها وصلت إلى أعلى المراتب في أوساط مسؤولي الإمبراطورية البريطانية، وهو مجال كان في العادة محظورًا على نساء زمنها. ومن ناحية، تشير إنجازاتها المميزة إلى أنها كانت سابقة لعصرها، أما آراؤها فتشير إلى أن ما كانت عليه هو نتيجة لعصرها إلى حد كبير. لقد كانت بيل شخصية معقّدة ومتناقضة، ولا تزال حياتها وإرثها يستحقان اهتمام الباحثين.

قبر جيرترود بيل في المقبرة في بغداد، بعد وفاتها هناك في ١٢ يوليو ١٩٢٦. يحمل شاهد القبر نقشًا بالعربية. جامعة نيوكاسل، GB/PERS/B/013. رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف-الترخيص بالمثل (CC BY-SA 4.0)
قبر جيرترود بيل في المقبرة في بغداد، بعد وفاتها هناك في ١٢ يوليو ١٩٢٦. يحمل شاهد القبر نقشًا بالعربية. جامعة نيوكاسل، GB/PERS/B/013. رخصة المشاع الإبداعي نَسب المُصنَّف-الترخيص بالمثل (CC BY-SA 4.0)