عرض عام
الاتصالات: مقوم أساسي للإمبراطورية
تعتبر نظم الاتصالات عنصرًا رئيسيًا في البنية التحتية للأنظمة الإمبريالية، فإتاحتها لنقل المعلومات يمكّن هذه الأنظمة من فرض هيمنتها. لذلك دائمًا ما شغلت هذه النظم بال السلطات الاستعمارية البريطانية، خاصةً في الخليج العربي والبحر الأحمر اللذان شكلا حلقة وصل أساسية بين بريطانيا ومستعمراتها في الهند. هذان المسطحان المائيان هما جزء من الطريق "البري" الممتد إلى الهند، والذي كان قناة اتصال أسرع من الطريق البحري حول رأس الرجاء الصالح قبل افتتاح قناة السويس. وقد استخدمت بريطانيا هذين الطريقين البحريين لنقل المعلومات الاستخباراتية العاجلة والهامة.
وبالرجوع لسجلات مكتب الهند، يمكن جزئيًا تتبع رحلة انتقال معلومات استخباراتية عاجلة ومهمة عالميًا إلى الهند في عام ١٧٨٣، والمتمثلة في انتهاء الحرب الثورية الأمريكية واستقلال الولايات المتحدة.
الحرب العالمية والسلام العالمي
كانت حرب الاستقلال الأمريكية (١٧٧٥-١٧٨٣) حربًا عالمية قبل ظهور المصطلح نفسه. فبعد أن أعلنت المستعمرات الاستيطانية البريطانية الثلاث عشرة في أمريكا استقلالها في عام ١٧٧٦، تحالفت كل من فرنسا وإسبانيا والجمهورية الهولندية لتقويض قدرات خصمها بريطانيا، لتصبح هذه الحرب صراعًا عالميًا بين القوى الإمبريالية شمل الأراضي المستعمرة في الهند والبحر الكاريبي وأماكن أخرى. وفي عام ١٧٨٢، عندما قبلت بريطانيا الهزيمة والتمست السلم، كان لا بد من نقل الأخبار إلى آسيا لإنهاء الحرب فيها أيضًا.

يمكن اقتفاء أثر الرحلة باستخدام سجلات مقيمية مكتب تابع لشركة الهند الشرقية، ومن ثمّ للراج الهندي، أُسِّس في الأقاليم والمناطق التي كانت تُعتبر جزءًا من الهند البريطانية أو ضمن نطاق نفوذها. شركة الهند الشرقية مؤسسة بريطانية كانت تدير المصالح التجارية والعسكرية في الهند وجنوب غرب آسيا في البصرة، التي كانت تمثل محطة رئيسية على طول طريق الاتصالات الممتد إلى الهند نظرًا لموقعها على رأس الخليج العربي.
كانت عملية السلام طويلة ومعقدة. ففي عام ١٧٨٣ وحده، وصل ما لا يقل عن أربع وثائق حول هذا الموضوع إلى الهند عبر الخليج العربي. ووصلت أخبار السلام إلى الخليج أولًا في ٢٤ أبريل ١٧٨٣ مع وصول مقتطف من رسالة بتاريخ ٢٢ يناير ١٧٨٣، إلى البصرة عبر حلب، أرسلها المفوض البريطاني لمحادثات السلام في باريس، ألين فيتزهربرت، إلى السفير في القسطنطينية [إسطنبول]، روبرت أينسلي، يذكر فيها أنه تم الاتفاق على سلام مبدئي مع فرنسا وإسبانيا. وفور وصول الأخبار أرسلها ويليام ديجز لاتوش، المقيم البريطاني في البصرة، إلى مسقط على أمل أن تنتقل من هناك إلى الحكومة البريطانية في الهند.

اعتبر لاتوش إيصال الأخبار سريعًا إلى الهند أولويةً ملحة. لذلك طلب من بيتر سكوت، قبطان السفينة التجارية "بيجلر"، حمل نسخة أخرى من الأخبار مباشرةً إلى بومباي [مومباي]. وبعد التفاوض حول أجره، أبحر سكوت إلى بومباي في الأول من مايو ١٧٨٣. وبعد أيام معدودة، تلقى لاتوش في ١٠مايو من بيتر ميتشل، سكرتير مجلس إدارة شركة الهند الشرقية، رسالة مؤرخة في ٢٨ فبراير تحتوي على نسخ من بنود معاهدة السلام الأولية المتعلقة بآسيا. ووفقًا لهذه الرسالة، كانت الشركة مهتمةً للغاية في هذه المرحلة بإنهاء الصراع مع القوى الأوروبية الأخرى في البحر. أمر ميتشل لاتوش بإيصال بنود المعاهدة إلى الرئاسات البريطانية الثلاث في الهند "بأسرع وقت ممكن، وبقدر ما يلزم من وسائل النقل المختلفة".

أرسل لاتوش البنود كما يجب إلى مسقط في ١٢ مايو، وأمر وسيط غالبًا هو وكيل تجاري محلي في الخليج يقوم بشكل منتظم بجمع المعلومات الاستخبارية وبمهام التمثيل السياسي. يُشار إليه أحيانًا بـ "وكيل الحكومة" أو "الوكيل المحلي". الشركة هناك بنقل الأوراق إلى بومباي في سفينة محلية إن أمكن، و في حال تعذر ذلك، فليرسلها عبر السند أو بأي طريق آخر متاح.
مبعوثون وعقبات
وبعد فترة قصيرة، وصل مبعوثان رسميان إلى البصرة، وهما الجندي البريطاني الرائد توماس جيلز والتاجر الفرنسي د. فرومنت، واللذان تم تكليفهما بتوصيل بنود معاهدة السلام الأولية براً من أوروبا إلى حكوماتهم في الهند.
بدأت الأمور تستعصي على جيلز وفرومنت في أبريل في حلب، حيث تعرقلت مهمتهما نتيجة صراعٍ داخلي على السلطة داخل القنصلية البريطانية. فقد توفي مؤخرًا جون أبوت، القنصل في حلب المسؤول عن إدارة طريق البريد. وبينما تولت معظم مهامه أرملته السويسرية المنحدرة من جنيف، ماريانا أبوت، أصر نائبه، ديفيد هايز، على تولي إدارة البريد بنفسه. أمر هايز توماس جيلز بسلك طريق أبطأ وأخطر إلى البصرة عبر ديار بكر وبغداد. ويدوّن جيلز أنه عانى خلال سفره من "رفسة مؤسفة من أحد الخيول كادت تكسر ساقه".

سلك فرومنت الطريق المباشر، ووصل قبل جيلز إلى البصرة. لكن الاثنان واجها صعوبات جديدة، حيث لم تتوفر سفينة "مناسبة لنقلهما" إلى الهند (IOR/L/PS/9/76/33، ص. ٢و). وبعد ضغط من المسؤولين البريطانيين والفرنسيين، أمر سليمان باشا لقب عثماني كان يُستخدم عقب أسماء بعض حكام الأقاليم وكبار المسؤولين المدنيين والقادة العسكريين. الكبير، حاكم بغداد، نائبه في البصرة بتوفير سفن "كيتش" لنقل الرسل. لكن لم تكن هناك إمدادات ولا بحارة ذوي خبرة كافية للإبحار. وهكذا استسلم جيلز وفرومنت لضرورة انتظار سفينة بريطانية. في غضون ذلك، أرسل كل من لاتوش وجيلز نسخًا من بنود معاهدة السلام إلى وسيط غالبًا هو وكيل تجاري محلي في الخليج يقوم بشكل منتظم بجمع المعلومات الاستخبارية وبمهام التمثيل السياسي. يُشار إليه أحيانًا بـ "وكيل الحكومة" أو "الوكيل المحلي". شركة الهند الشرقية مؤسسة بريطانية كانت تدير المصالح التجارية والعسكرية في الهند وجنوب غرب آسيا في مسقط في ١٠ يونيو، على أمل أن يتم إرسالها إلى بومباي.
على الرغم من هذه الجهود، استعصى الحصول على الأخبار حتى في مسقط بسبب الأحداث في الخليج العربي. فبالتزامن مع حرب الاستقلال الأمريكية اندلعت حرب أخرى في الخليج بين عامي ١٧٨٢ و١٧٨٣. حيث هاجمت عائلة آل مذكور (حكام بوشهر والبحرين وأتباع سلالة زند الحاكمة في إيران) ميناء الزبارة المخصص لصيد اللؤلؤ (في قطر الآن) الذي تتحكم به عائلة آل خليفة.

ردًا على ذلك، حاصر حاكم الكويت الشيخ عبد الله الصباح شط العرب، مما أضاف عقبة أخرى بين البصرة والهند. اعتبر البريطانيون الشيخ عبد الله شخصًا هامًا في تسهيل اتصالاتهم مع الهند، حيث كتب لاتوش عنه أنه "كان، وقد يكون، ذا فائدة كبيرة، ليس فقط في إحالة رزم بريدنا إلى الهند ولكن في اعتراض تلك المرسلة من أعدائنا" (IOR/L/PS/9/76/26، ص. ٣و). وفي يونيو ١٧٨٣، أفاد لاتوش أن الشيخ عبد الله وشعبه قد "أغلقوا تمامًا" شط العرب "مما أدى لتكبدي عناءً كبيرًا لشراء قارب من أجل نقل الحزمة إلى مسقط" (IOR/L/PS/9/76/33، ص. ٣و). لكن لاتوش كان واثقًا من أن الأخبار ستمر رغم الحصار بسبب علاقات بريطانيا الودية مع الكويت، ولأن القارب الذي أرسله "ملكُ سيدٍ عربي من البصرة تربطه علاقة طيبة بأهالي الخليج" (IOR/L/PS/9/76/33، ص. ٣و). وهكذا، تابعت الأخبار رحلتها العصيبة نحو الهند من وسط منطقة حرب على متن مركبٍ محلي، بينما تأخر المبعوثون الرسميون.
عندما تم الاتفاق على معاهدة باريس النهائية في سبتمبر ١٧٨٣، توجب على لاتوش نقل الأخبار مجددًا. وتُظهر رسالته، التي أرسلها عشية عيد الميلاد عام ١٧٨٣ إلى نظيره في بوشهر، إدوارد جالي، أن بنود معاهدة السلام نُقلت على متن السفينة "فايبر"، دون مشاكل على ما يبدو.

الخاتمة: الاتصالات والسلطة
هكذا انتقلت المعلومات الاستخباراتية العاجلة عبر العالم في أواخر القرن الثامن عشر. وقد استُبدل التلغراف لاحقًا بطريق البريد البري، مما مهد الطريق لخطوط الهاتف وكابلات الألياف الضوئية. وعني هذا التقدم التكنولوجي أن الاتصالات الدولية أصبحت أقل عرضةً للعرقلة والتعطيل. لكن كانت خطوط التلغراف بين الهند وبريطانيا ما تزال تعتمد على الحماية المقدمة من الحكام المحليين، حيث قُطعت الخطوط أحيانًا نتيجة الانتفاضات والصراعات المحلية. ومن الجلي أن الاتصالات الدولية لم تكن أبدًا معزولةً بالكامل عن الظروف المناخية أو السياسية للبلدان أو البحار التي تعبرها.






