دليل اطّلاع: مصادر باللغة الفرنسية، الجزء الثاني - في سياقات تتجاوز فرنسا

اقتبس هذه المقالة

عرض عام

تحتوي مكتبة قطر الرقمية على أكثر من ٨٠٠ سجلٍّ تتضمن موادًا باللغة الفرنسية من سجلات مكتب الهند، تعود لفترة ممتدة على عدة قرون. هذه هي المقالة الثانية في سلسلةٍ من مقالتَين وتتناول سجلات باللغة الفرنسية من سياقات خارج نطاق فرنسا والسياسات الفرنسية.

المقالات الأخرى في هذه السلسلة: الجزء الأول.

 

في عام ١٨٢١، أرسل "زعيم" من مدغشقر يُدعى جان رينيه رسالةً باللغة الفرنسية إلى حاكم موريشيوس البريطاني تعلن النجاحات العسكرية التي حققها للملك رادما "بسرور" (IOR/F/4/913/25778، ص. ١٨٦و). تُعتبر هذه الرسالة مثالًا مبكرًا عن الوثائق باللغة الفرنسية المتاحة على مكتبة قطر الرقمية والتي لا تمت بصلة إلى فرنسا. يستعرض هذا المقال هذه السجلّات التي تسلط الضوء على آفاق تاريخية جديدة.

إيران

تُعتبر الفرنسية لغةً مهمة لدراسة علاقات إيران الخارجية، لا سيما أنها استُعملت لصياغة عدد كبير من رسائل حكومتي القاجار والبهلوي السابقتين. وتتضمن الأمثلة المبكرة عن ذلك مفاوضات السلام في الحرب الروسية-الفارسية (١٨٢٦-١٨٢٨) ومعاهدة تركمانجاي اللاحقة ومسوّدة معاهدة مبرمة مع النمسا في ١٨٥٢، حصل عليها الوزير البريطاني في طهران وسعى بعد ذلك إلى تخريبها "عبر وسيلة سرية" (IOR/L/PS/5/476، ص. ٨٣و).

وبعد إعادة ترتيب علاقات إيران الخارجية في ظل حكم رضا شاه بهلوي، ازداد عدد السجلّات المكتوبة باللغة الفرنسية. ويحتوي أحد الملفات على نسخ من معاهدات بالفرنسية أُبرمت في ثلاثينيات القرن العشرين بين إيران ودول مثل الجمهورية التشيكوسلوفاكية وسويسرا ومملكة الدنمارك وأيسلندا. وتشتمل ملفات أخرى على معاهدات بين بولندا واليونان واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية. ويتناول جزءٌ كبير من المراسلات محاولات التوصل إلى معاهدة أنجلو-إيرانية جديدة، شكّل فيها الخليج تحديدًا نقطة شائكة.

مقتطف من المعاهدة الإيرانية-السوفيتية لترسيخ العلاقات والتجارة والملاحة، بالروسية والفرنسية، ١٩٣٥. IOR/L/PS/12/3471، ص. ٤٢و
مقتطف من المعاهدة الإيرانية-السوفيتية لترسيخ العلاقات والتجارة والملاحة، بالروسية والفرنسية، ١٩٣٥. IOR/L/PS/12/3471، ص. ٤٢و

وتتعلق بعض الوثائق بالنمو الاقتصادي والتقني في إيران. وتتراوح هذه ما بين خطط السكة الحديدية في عصر القاجار والعقد الذي أبرمته حكومة بهلوي مع شركة يونكرز الألمانية لتطوير الطيران المدني. كما تغطي السجلّات تولي مسؤولية التلغراف بعد انسحاب إدارة التلغراف الهندو-أوروبية التابعة لبريطانيا، وامتيازات التعدين والتنقيب عن النفط واستغلاله.

وهناك أيضًا وثائق هامة أصدرتها بيوت الجمارك في إيران بالفرنسية تتناول تاريخ البلاد الاقتصادي، بما في ذلك تقارير مفصّلة عن التجارة الخارجية لإيران بين عامي ١٩٢٩ و١٩٣٥. حيث كانت بيوت الجمارك الإيرانية، ابتداءً من عام ١٨٩٨ وحتى ثلاثينيات القرن العشرين، تحت إدارة مسؤولين بلجيكيين أُحضروا إلى إيران تحت حكم القاجار السابق بفضل حيادهم وسمعتهم كذوي كفاءة عالية.

إعلان جمركي باللغتين الفرنسية والفارسية من بوشهر، ١٩١٦. IOR/R/15/2/50، ص. ١٥٦و
إعلان جمركي باللغتين الفرنسية والفارسية من بوشهر، ١٩١٦. IOR/R/15/2/50، ص. ١٥٦و

ولم يكن المسؤولون الحكوميون دائمًا المصدر الوحيد للوثائق الإيرانية باللغة الفرنسية. هناك على سبيل المثال إنذار وجّهته اللجنة الوطنية لحماية الاستقلال الفارسي إلى القنصل البريطاني في شيراز خلال الحرب العالمية الأولى، وكتيّب نُشر في سويسرا عن "بلاد فارس والحرب الأوروبية" بقلم "وطني فارسي" (IOR/L/PS/10/299/2، ص. ١٨٨و). كما يظهر نقد موجّه إلى اللورد كرزون في كتيّب صدر عام ١٩٢١ عن صحيفة "سيتاراه إيران" ضمن ملف عن البروباجاندا المناهضة لبريطانيا، ويمثل إعلان صادر عام ١٩٤٥ عن المجلس الوطني لأذربيجان بداية الأزمة الإيرانية والحرب الباردة.

الدولة العثمانية

تحتوي الملفات أيضًا على مراسلات دبلوماسية باللغة الفرنسية مع الدولة العثمانية، تمتد على أكثر من قرن. ومن الأمثلة المبكرة لذلك رسالة من عام ١٧٩٩ من قائد أسطول البحرية البريطانية في بلاد الشام المنطقة الجغرافية المحيطة بشرق البحر الأبيض المتوسط. إلى الصدر الأعظم العثماني، تصف هزيمة نابليون في عكا خلال الحروب الثورية الفرنسية. ومن الأمثلة اللاحقة رسالة من عام ١٩٠٩ من السفير العثماني في لندن عن مسألة الحماية القنصلية البريطانية للأفغان والبلوش في الدولة العثمانية، وبرقية جرى اعتراضها من الباب العالي إلى السفير في لندن، تخبر عن حصار إيطالي في البحر الأحمر خلال الحرب التركية-الإيطالية (١٩١١-١٩١٢)، ومراسلات عن أسرى الحرب تعود إلى الحرب العالمية الأولى. ومن الأمثلة اللافتة نسخة ثنائية اللغة لنص الاتفاقية الأنجلو-عثمانية لعام ١٩١٣ حول الخليج والأقاليم المجاورة. وقد أدى ترسيم لجنة دولية للحدود العثمانية مع إيران إلى ظهور عدد كبير من السجلات باللغة الفرنسية.

ومثلما هو الحال مع إيران، توثق السجلات باللغة الفرنسية التطور الاقتصادي والتقني في الدولة العثمانية، بما في ذلك شركة سكة حديد بغداد متعددة الجنسيات، وشركة سكة حديد الأناضول الممولة من ألمانيا. وتتضمن الوثائق أيضًا تقريرًا لعام ١٩١٣ يتناول النفط في العراق العثمانية أعده ليون أوستروروج، وهو مهاجر بولندي ومستشار لدى الحكومة العثمانية.

مصر

وتحتوي السجلات أيضًا على مراسلات دبلوماسية مع مصر بالفرنسية، التي كانت إحدى اللغات المستعملة للتواصل مع حكومة محمد علي باشا، خاصةً عبر وزير الخارجية الأرمني، بوغوص بك يوسفيان. وتتضمن الأمثلة على ذلك رسائل من شهري يونيو وأكتوبر لعام ١٨٣٩ عن الحملة العسكرية المصرية في نجد.

واستُعملت اللغة الفرنسية للتواصل مع الملوك والحكومات في مصر حتى القرن العشرين، كما يتضح من مفاوضات عام ١٩٢١ الرامية لإنهاء الحماية البريطانية على مصر وتوطيد العلاقات المستقبلية، وفي مراسلات من عام ١٩٢٣ عن مسألة السودان، وفي مؤتمر مونترو لعام ١٩٣٧ لمناقشة إلغاء الامتيازات في مصر. وتحمل رسائل من عام ١٩١٤ آراء مواطنين مصريين ناطقين بالفرنسية منفيين في سويسرا، يعبّرون عن دعمهم لألمانيا والنمسا في الحرب العالمية الأولى.

صحف وأماكن غير متوقعة

تحتوي السجلّات أيضًا على مقتطفات من صحف صادرة باللغة الفرنسية في عددٍ من الدول. وترد بشكل متكرر قصاصات من صحيفتي "جورنال دي طهران" و"ميساجي دي طهران" المنشورتين في إيران، بينما ترد أمثلة أخرى من صحيفة "لوريان" المنشورة في لبنان وصحيفة "لو ديمانش إي بارتو ريوني" المنشورة في مصر.

قصاصة من "جورنال دي طهران" عن زيارة وزير الشؤون الخارجية الإيراني إلى كابول ونيودلهي، ٢ فبراير ١٩٣٦. IOR/L/PS/12/3496، ص. ٨و
قصاصة من "جورنال دي طهران" عن زيارة وزير الشؤون الخارجية الإيراني إلى كابول ونيودلهي، ٢ فبراير ١٩٣٦. IOR/L/PS/12/3496، ص. ٨و

وترد بعض المواد باللغة الفرنسية في أماكن غير متوقعة. مثل المراسلات بين الوكيل البريطاني في شيراز في عام ١٨٦٠، إ. ن. كاستيلي، مع رؤسائه بالفرنسية، كما هو موثق في ملف عن استجوابه لهنود جرى توقيفهم في إيران بتهمة التورّط في تمرد عام ١٨٥٧.

المساعي الدبلوماسية والتأثير العالمي

يتجلى وضع اللغة الفرنسية كلغة دبلوماسية في مستندات مثل اتفاقية عام ١٩٠٧ بين بريطانيا وروسيا تحدد مجالات النفوذ في إيران وأفغانستان والتبت. كما استُعملت اللغة الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى في مداولات مع ألمانيا عبر الحكومة اليونانية حول تبادل الأسرى. وفي عام ١٩٢٠، تواصل المندوب السامي البريطاني في القسطنطينية [إسطنبول] المحتلة مع النائب العام للبطريرك الكلداني بالفرنسية، طالبًا منه تأمين الحماية البريطانية للمجتمع الكلداني.

وبالمثل، استُعملت الفرنسية في عددٍ من المراسلات متعددة الأطراف. ومن ذلك مذكرة احتجاج بالفرنسية موجهة من الطاقم الدبلوماسي في طهران بأكمله في عام ١٩٢٤ إلى حكومة القاجار بعد مقتل قنصل الولايات المتحدة. وفي السنة نفسها، وجّه الطاقم القنصلي في جدة مذكرة مشتركة بالفرنسية إلى قائد القوات الوهابية، تطالب بحماية رعاياهم خلال الحرب الوهابية أحد أتباع الحركة الإصلاحية الإسلامية المسماة بالوهابية؛ يُستخدم أيضًا للإشارة إلى الرعايا والأراضي الخاضعة لحكم أسرة آل سعود. على الحجاز. وتغطي مستندات بالفرنسية من عصبة الأمم مسائل مثل الحد من الأسلحة، ومطالبة إيران بالبحرين، وإغاثة اللاجئين الروس في مشهد، وإعادة توطين المسيحيين الآشوريين في أعقاب المجازر في العراق. واستُخدمت الفرنسية أيضًا لصياغة معاهدة الصداقة المبرمة عام ١٩٣٢ بين العراق وأفغانستان. ويعود أحدث سجل باللغة الفرنسية على مكتبة قطر الرقمية إلى عام ١٩٥١، وهو اتفاقية تسمح لطائرات شركات الطيران اللبنانية بالوصول إلى المطارات في المحميات البريطانية في الخليج.

كولاج إبداعي لمواد مختارة من سجلات مكتب الهند تتضمن نصوصًا باللغة الفرنسية. من إعداد موظفي مشروع شراكة المكتبة البريطانية ومؤسسة قطر، ٢٠٢٥
كولاج إبداعي لمواد مختارة من سجلات مكتب الهند تتضمن نصوصًا باللغة الفرنسية. من إعداد موظفي مشروع شراكة المكتبة البريطانية ومؤسسة قطر، ٢٠٢٥

تُعتبر المجموعة الواسعة من المصادر القيّمة المتاحة على مكتبة قطر الرقمية دليلًا على الدور الهام الذي لعبته اللغة الفرنسية في تاريخ العالم، حيث تعكس هذه المصادر انتشار اللغة الفرنسية عالميًا وأهميتها كلغةٍ للتواصل الدولي والدبلوماسية.