عرض عام
في ٣٠ مايو ١٩٢١، حصل المتحف البريطاني على أجزاء من مخطوطين، أحدهما سرياني والآخر عربي، من تاجر الآثار ف. و. بيكل في زيورخ، والمتخصص في المخطوطات الشرقية المسيحية الشرقية.
وسُجلَ المخطوط العربي المُجزأ في سجل مقتنيات المتحف البريطاني بوصفٍ مقتضب كالمعتاد: "Or. 8857. جزء من عملٍ عن التقويم، تتلوه بعضُ الوصفات الطبية. ٣٣ ورقة. القرن الحادي عشر. بحجم الثمن (أوكتافو)، عربي". وكان من الواضح أن المخطوط قديم، فهو يعود بحسب السجل إلى القرن الخامس الهجري (القرن الحادي عشر الميلادي)، غير أن تفاصيل محتوياته كانت شحيحة، ولم يُذكر شيء عن مصدره.

وكانت هذه الأوراق الثلاث والثلاثين في حالة فوضى واضحة عندما وصلت إلى المتحف البريطاني. ولا توجد دلائل تشير إلى أنها كانت مُجلَّدة عند وصولها، والأسوأ من ذلك أن الخياطة التي كانت تجمع المَلازم قد تفككت، كما انفصلت الأوراق المزدوجة المنفصلة على طول طيّات الصلب لتغدو أوراقًا مفردة. وفي مرحلةٍ لاحقة، وربما بعد اقتنائها بقليل، ثُبِّتت الأوراق جميعها على واقياتٍ ورقية وخِيطت في تجليد جديد بدون مراعاةٍ كافية لترتيبها الأصلي، وإن كان من المحتمل أنها حافظت على الترتيب الذي وصلت به إلى المتحف.

تأطير المخطوط وترتيب ملازمه
كُتبَ المخطوط بخطٍ عريض وزاوي ذي سمات "كوفية"، وهو طراز من خط الكتب العباسي شاع بين القرنين الثالث والخامس الهجريين (التاسع والحادي عشر الميلاديين) تقريبًا. وإلى جانب هذا الخط والورق العتيق، تساعد ميزات أخرى في تحديد زمان ومكان نَسخه.
وأهم هذه الميزات هي علامات ترتيب الملازم. ويحمل المخطوط علاماتي ترتيب مَلزَمة مختلفتين تظهران على الورقة الأولى والأخيرة من كل مَلزَمة، وهما مكتوبتان بنظامين منفصلين لحروف ذات قيم عددية: اليوناني والجورجي. ويُعد استخدام نظامي الترقيم هذين جنبًا إلى جنب مع نصٍ عربي مكتوب بخط الكتب العباسي وبعلامات ترقيمٍ مميزة دليلًا على تعدد أعراق ولغات الحرفيين الذين عملوا على نسخ المخطوطات في الأديرة السورية والفلسطينية والمصرية في صدر العصر العباسي. ويشير هذا المزيج الخاص بوضوح إلى أن المخطوط نُسخَ في حُجرة النُساخ في دير القديسة كاترين في سيناء، خلال أواخر القرن الرابع الهجري (القرن العاشر الميلادي) وأوائل القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). بل إنه من المحتمل أنه نُسخ على يد أحد النساخ المحيطين بتوما الفسطاطي في وقت سابق، والتي أنتجت ورشة النسخ الخاصة به العديد من المخطوطات المسيحية العربية المبكرة في دير القديسة كاثرين بين نهاية القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) ومطلع القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي).

اليمين: Or 8857، ص. ١٠ظ | اليسار: Or 8857، ص. ١٧و
ويمكن استعادة الترتيب الأصلي للأوراق لأنها مُرقمة بالأرقام القبطية الإباكتية، وهو نظام أبجدي عددي لم يكن مقصورًا على الأقباط، ويُعرف في العربية باسم "حروف الزِمام". ويُظهر ترقيم الأوراق القبطي وعلامات ترتيب المَلزَمة أن المخطوط Or 8857 يتضمن خمس مَلازم رباعية (الملازم ٥-٩) تضم الأوراق من ٣٧ إلى ٧١، وهو جزءٌ من مخطوطٍ أكبر لا يُعرَف حجمه.
مواد مطالعة رهبانية متنوعة
يتضمن هذا الجزء من المخطوط مجموعةً متنوعة من النصوص حول موضوعاتٍ تلائم بدرجاتٍ متفاوتة رهبان دير القديسة كاترين. وتتضمن عدة أدعية، وثلاث وصفات لإعداد البخور، و"كتاب الأزمنة"، وجزءًا من نص عن التنجيم.
وتبدو الصلوات الواردة في الأوراق الإحدى عشرة الأولى ملائمةً للسياق الرهباني، وإن اشتملت على عناصر قد تستوقف القارئ المعاصر. فإحدى الصلوات تختم بنداء "يا رب العالمين" (ص. ١٨ظ)، وتسبق أخرى البسملة "بسم الله الرحمن الرحيم" (ص. ٢٢و). ووردت كلتا العبارتين في القرآن وتُعدّان اليوم من العبارات ذات الدلالة الإسلامية الواضحة. غير أنه في تلك الفترة المبكرة، ولعدة قرونٍ بعد نسخ Or 8857، شاع استخدام هاتين العباراتين بين الناطقين بالعربية من أتباع الديانات الإبراهيمية كافة. وتلي الأدعية وصفات لإعداد البخور؛ ورغم أن البخور لا يدل بالضرورة على طقس كنسي، فإن افتتاح الوصفات بالصيغة الثالوثية "باسم الأب والابن والروح القُدُس" دليلٌ على سياقها المسيحي.

ولا يبدو النصّان الأخيران من النوع المعتاد في مكتبةٍ للرهبان. فـ "كتاب الأزمنة" هو دليلٌ سنوي يحتوي على معلومات عن التقويم والسماوات والظواهر الجوية وأمراض الإنسان وصحته وشؤون الزراعة المتعلقة بأشهر السنة الإثني عشر. وينتمي هذا النوع الأدبي إلى التراث العربي القديم في علم أحكام النجوم والأرصاد الجوية، حيث شاعت عناوين من قبيل "كتاب الأزمنة" و"كتاب الأنواء". ووفرت هذه الكتب إرشاداتٍ هامة لمساعدة المجتمعات على العيش في انسجام مع إيقاع الطبيعة السنوي، وهو ما كان ذا فائدة خاصّة للجماعات الرهبانية التي عاشت عادةً في ظروف قاسية وشبه معزولة. ومن أوائل من ألّف في هذا النوع من الأدلة أبو زكريا يوحنا بن ماسويه (توفي ٢٤٣هـ\٨٥٧م)، وهو مدير مسيحي نسطوري لمستشفى في بغداد، والطبيب الخاص لعددٍ من الخلفاء العباسيين، كما كان أستاذًا للطبيب والمترجم النسطوري حُنَين بن إسحق (توفي ٢٦٠هـ\٨٧٣م).

وينتهي هذا الجزء من المخطوط بنصٍ تمهيدي مجهول المؤلف في علم التنجيم، يتضمن طريقةً غير معتادة لتحديد طالع الشخص، لا عن طريق رصد مخطط الأبراج الخاص بميلاده، بل عن طريق تحليل عددي لاسمه واسم والدته. ورغم أن هذا النص قد يبدو الأقل صلة بالسياق الرهباني، فإن وجوده يعكس الخلافات الفقهية واللاهوتية آنذاك حول المُباح والمُحرَم من ممارسات التنجيم المتنوعة. وبوجه عام، عُدَّ الإلمام بتأثيرات الكواكب على البيئة وجسم الإنسان عنصرًا مهمًا في الحفاظ على الصحة والعافية.
وتلتئم الأجزاء
في عام ١٩١٠م، اشترى أمبروجيو داميانو أكيلي راتي، الذي أصبح لاحقًا البابا بيوس الحادي عشر (حبريته ١٩٢٢-١٩٣٩م)، وكان آنذاك قيّمًا على مكتبة الأمبروزيانا (١٩٠٧-١٩١٤م)، مجموعةً من المخطوطات من تاجرٍ في ميونيخ. وكان من بينها مخطوط عربي قديم يضم ٢٢٧ ورقة، وهو مُفهرس حاليًا تحت "Milan, Biblioteca Ambrosiana, X 201 sup". وتدلُ سماتٌ مميزة مشتركة بين هذا المخطوط والمخطوط Or 8857، مثل الخط العتيق، وعدد الأسطر في الصفحة، وعلامات ترتيب المَلزَمة اليونانية والجورجية، وترقيم الأوراق القبطي، على أنهما جزآن من مخطوطٍ واحد.
وتجمع محتويات الجزء المحفوظ في ميلانو كذلك بين موادٍ مسيحية ونصوصٍ عن التداوي بالأعشاب والطب وعلم التنجيم وموضوعات ذات صلة. وقد فُقدت الأوراق الست والثلاثون الأولى من المخطوط الأصلي، كما فُقدت خمسٌ وعشرون ورقة بين الجزأين، وعددٌ غير معلوم من الأوراق في نهاية المخطوط. غير أن الـ ٢٦٠ ورقة المتبقية منه تفتح نافذةً على تلقّي الأوساط الرهبانية المسيحية للأدبيات العلمية العربية في العصر العباسي.
وبفضل جهود الرقمنة الدولية والتقنيات الحديثة، صار بالإمكان جمعُ شمل الجزأين افتراضيًا.
شكر وعرفان
مع الشكر للدكتور أدريان دي فوشييه، الراهب الدومينيكي (مكتبة الفاتيكان) والدكتور ستيفانو سيرفينتي (مكتبة الأمبروزيانا) لمساعدتهما ومشورتهما السخيتين.
وشكر خاص إلى عِضوَي فريق البحث الرقمي بالمكتبة البريطانية، أدي كينان-سخونبرت وجيمس ميسون لمساعدتهما التقنية وتشجيعهما.
