عرض عام
يحتوي أرشيف المكتبة البريطانية للتسجيلات الصوتية على مجموعات هامة من الاسطوانات ذات الـ٧٨ دورة في الدقيقة، والتي تُسمى عادةً اسطوانات الشيلاك. وقد هيمنت هذه الوسيلة لتسجيل الصوت وتشغيله على صناعة التسجيلات العالمية منذ بداية القرن العشرين وحتى ستينياته. وقد رُقمنَت المئات من هذه الاسطوانات وفُهرسَت، وستصبح متاحة على مكتبة قطر الرقمية عمّا قريب. تُلقي هذه التسجيلات الضوء على تاريخ التسجيلات الصوتية في الخليج، وعلى التاريخ الاجتماعي والثقافي للمنطقة بشكل عام، ويمكننا الاستدلال من خلال الاسطوانات بحد ذاتها على الكثير من التفاصيل. وفي هذا السياق، قصتنا هنا لا تدور حول الاسطوانات بل حول أغلفتها.
على مدى عقود، دأبت العديد من أرشيفات التسجيلات الصوتية على التخلص من هذه الأغلفة. فهي مصنوعة من ورق رقيق ولا توفر حمايةً تُذكر للاسطوانات، كما أنها تتحلل بمرور الوقت لتتحول إلى غبار يتراكم في أخاديد الاسطوانات، مما يضيف المزيد من الضوضاء عند تشغيلها. ولكن هذه الأغلفة قيّمة. فالفحص الدقيق لمجموعة من الأغلفة من المشرق العربي في أوائل القرن العشرين لا يُخبرنا فقط عن شركات تسجيلات عربية معينة، بل أيضاً عن كيفية ارتباط بعضها ببعض.
من بيروت إلى برلين إلى العالم
تأسست شركة بيضافون حوالي عام ١٩٠٦ على يد مجموعة من أبناء العمومة من عائلة بيضا السورية-اللبنانية، وكان معظمهم يقيمون في بيروت فيما كان واحد منهم مقيمًا في برلين. وبعد الحرب العالمية الأولى، بدأت الشركة بإصدار اسطواناتها مغلفة بأغلفة تعرض من خلالها الشركة هويتها البصرية وأكثر من ذلك بكثير. على سبيل المثال، تحمل أغلفة بيضافون من عشرينيات القرن الماضي رسالة مهمة للعملاء الذين يقرأون اللغة العربية:
"رغبةً بتخفيف المصاريف على عملائنا الكرام المقيمين في الأصقاع الأمريكية والأسترالية والأفريقية، ولسرعة وصول البضائع إليهم، نرجوهم أن يقدموا بعد الآن طلباتهم لمحلنا في برلين رأسًا على العنوان الآتي."

أضافت الإصدارات اللاحقة من هذا الغلاف نفسه العنوان البريدي المفقود: بيير وجابرييل بيضا - برلين ميتلشتراسه ٥٥، على بُعد عشر دقائق فقط من بوابة براندنبورج. نستدل من هذه الرسالة أن جزءًا كبيرًا من أعمال الشركة كان يتم من خلال الطلبات البريدية، والتي جاءت نسبة متزايدة منها من الجاليات الكبيرة من بلاد الشام المنطقة الجغرافية المحيطة بشرق البحر الأبيض المتوسط. (وغيرها من الجاليات الناطقة بالعربية) المنتشرة في أنحاء أمريكا الشمالية والجنوبية وأستراليا وأفريقيا. مما يعني أنه بحلول فترة الكساد الكبير، كانت شركة بيضافون تعمل على نطاق عالمي.
تسويق المشاهير
في أواخر عشرينيات القرن العشرين، وقّعت بيضافون عقدًا مع محمد عبد الوهاب، أشهر المُطربين والملحنين المصريين في القرن العشرين. وكان هذا إنجازًا كبيرًا للشركة في منافستها مع شركات التسجيل الأوروبية الكبرى، لدرجة أنها أنتجت غلافًا خاصًا لتسجيلات أغاني عبد الوهاب. في أسفل الوجه الأمامي للغلاف هناك صورة للملحن الشاب في بدلة رسمية وطربوش، واسمه بالحروف اللاتينية. وينساب النص العربي أعلى الصورة بنثرٍ منمق يصفه بأنه "الموسيقار الأستاذ محمد عبد الوهاب - نابغة الفنّ - مطرب الملوك والأمراء" (لوتز وآخرون، ص. ٩). أما الجزء الخلفي من الغلاف فيحمل التعليمات المألوفة للجاليات المنتشرة في مختلف القارات لإرسال طلباتهم إلى مقر الشركة في برلين.
في الفترة نفسها، بدأت الشركة بإنتاج اسطوانات إيلي بيضا، نجل جبريل بيضا، من فرع بيروت. وكان إيلي موسيقيًا مشهورًا بإتقانه لصنف موسيقي يُعرف باسم "الموّال البغدادي". حيث اكتسب هذا النمط العراقي في غناء الموّال مكانةً فنيةً رفيعة في مدن سوريا وفلسطين، وخاصةً في بيروت. ومع ازدياد شهرته، سافر إيلي بيضا وغنى في جميع أنحاء المشرق العربي، ليشتهر بلقب "ملك البغدادي" ويصبح من أكثر الفنانين الموسيقيين اللبنانيين شهرةً وطلبًا. وقد أدت هذه الشهرة إلى دعوته إلى الولايات المتحدة عام ١٩٤٦ (بعد ثلاث سنوات من استقلال لبنان عن الحكم الاستعماري الفرنسي)، حيث استقر هناك وواصل أداءه بانتظام حتى عام ١٩٧١. وقد أنتجت بيضافون نسخةً شبه مطابقة لغلاف عبد الوهاب الخاص تحمل صورة إيلي مع عبارة مختصرة تصفه بـ"المطرب المشهور".

إن إنتاج الشركة لهذه الأغلفة وكذلك اختيارها للفنانين الذين ستُبرزهم عليها أمر بالغ الأهمية، حيث كانت بيضافون واحدة من الشركات "المحلية" القليلة العاملة على المستويين الإقليمي والعالمي، مما وضعها في منافسة مع كبرى الشركات الأوروبية متعددة الجنسيات، مثل جراموفون البريطانية وأوديون الألمانية، اللتان استخدمتا مواردهما الهائلة للتعاقد مع نجوم ذلك العصر. وبإبرازها محمد عبد الوهاب وإيلي بيضا على الأغلفة، أظهرت بيضافون ارتباطها بأبرز ملحنَين ومطربَين في أكبر سوقَين موسيقيَّين في المشرق العربي: مصر وبلاد الشام. لقد استخدمت بيضافون المشاهير على أغلفة اسطواناتها لتحقيق الأرباح.
ظهور كايروفون
تعطينا الأغلفة أيضًا لمحةً عن استجابة بيضافون للكساد الكبير ووفاة بيير بيضا، أحد المساهمين المؤسسين للشركة، في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين. فقد أعادت الشركة آنذاك هيكلة أعمالها لاسيما في مصر، أكبر أسواقها. وعلى مدار ثلاثينيات القرن العشرين، أُعيد تسويق فرعها في مصر كعلامةٍ تجاريةٍ جديدة بالكامل تحت اسم كايروفون.

وعلى الرغم من بساطة أغلفة كايروفون مقارنةً بأغلفة بيضافون من نفس الفترة، إلا أنها تُشير بوضوح إلى الصلة بين الشركتين. وتتضمن الأغلفة، التي تحمل وجهًا بالعربية وآخر بالفرنسية، عنوان الشركة الجديدة وهو ٣٤ شارع الموسكي، والذي كان سابقًا صالة عرض بيضافون في القاهرة في عشرينيات القرن العشرين. وتُعرّف الأغلفة الجديدة مالكي الشركة بأنهم "ورثة بطرس بيضا وشركاهم". ولم يكن الشريك الرئيسي الجديد سوى أشهر فناني الشركة، محمد عبد الوهاب.
من بيروت والقاهرة إلى بغداد والخليج
يُظهر غلاف آخر، وإن كان ذلك بطريقة غير مباشرة، صلة أخرى بين بيضافون-كايروفون وتوسع صناعة التسجيلات في العالم العربي. ويعود تاريخ غلاف كايروفون هذا، على الأرجح، إلى أواخر الأربعينيات أو أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، وهو يحمل كتابةً باللغة العربية فقط، باستثناء شعار الشركة الجديد الذي يحمل اسمها فوق رسم لمنظر طبيعي تظهر فيه أهرامات الجيزة وأشجار النخيل.
فوق الشعار، وتحت اسم الشركة، توجد عبارة "للعراق وإيران والبحرين والكويت"، في إشارة واضحة إلى توسع شبكة توزيع الشركة في الخليج. فيما يحمل العمودان الأيمن والأيسر من الغلاف المزدحم صورًا لدراجة هوائية وجهاز راديو ترانزستور ومشغل اسطوانات محمول. ويسرد النص على كلا الجانبين قائمةً بالمنتجات التي يبيعها مُنتِج الغلاف، بما في ذلك مشغلات الاسطوانات والاسطوانات والأصباغ والغسالات والمراوح والبطاريات ودراجات الأطفال. ويتوسط الجزء السفلي من الغلاف اسم المُنتج وعنوانه: "عارف جقماقجي، بغداد، شارع الرشيد ٢٩٥ \١، تليفون ٧٨٨٩".

وسرعان ما أضاف متجر آل جقماقجي للإلكترونيات، الواقع في وسط أهم شوارع بغداد الموسيقية، إلى أعمالهم استوديو تسجيل. وكان لعلامتهم التجارية الجديدة "اسطوانات جقماقجي" دورًا منعدم النظير في تسجيل ونشر وحفظ الذخيرة الفنية للمقام والريفي العراقيَّين. يُظهر غلافٌ غير مؤرخ، محفوظٌ حاليًا في المتحف العربي الأمريكي الوطني، أن رقم هاتف اسطوانات جقماقجي هو نفسه رقم متجر الإلكترونيات (ودراجات الأطفال) الموجود على غلاف كايروفون، وأن الشركة استحوذت على واجهات متاجر مختلفة على طول شارع الرشيد لجوانب مختلفة من أعمالها، وأنها وسّعت أعمالها إلى الموصل. كما يكشف غلاف كايروفون أن الشركة المصرية تعاقدت مع آل جقماقجي للعمل كوكلاء لها في الخليج. ومن المرجح أن هذه الشراكة كانت لحظةً حاسمة في تطور صناعة التسجيلات العراقية، نظرًا لمحورية اسطوانات جقماقجي في ذلك التطور.
إيفيمرا جوهرية
يأسف مؤرخو التسجيلات الصوتية على فقدان المواد المصدرية الأساسية نتيجة تدمير أرشيفات شركات التسجيلات. فعلى سبيل المثال، دُمّر مقر شركة أوديون في قصف الحلفاء لبرلين عام ١٩٤٤، فيما احترق مقر شركة بيضافون عام ١٩٨٧ خلال الحرب الأهلية في لبنان. لذلك تكتسب الإيفيمرا مواد مطبوعة أو مكتوبة صُممت للاستخدام المؤقت، ولكن حُفظت كوثائق تاريخية التي قد تبدو عديمة القيمة مثل أغلفة الاسطوانات أهميةً متزايدةً في سعي الباحث للحصول على المعلومات، كونها مصادر يمكن من خلالها تقصي تاريخ إنتاج الموسيقى حول العالم.