عرض عام
تزامن تطور التصوير الفوتوغرافي في القرن التاسع عشر مع التوسع السريع للاستعمار. واستُخدِمت الكاميرا في كل جانب من جوانب الرسالة الاستعمارية على مدى فترات زمنية ممتدة لتسجيل شؤون الناس والأرض والبحر والتجارة والتحكم فيها. وباتت الكاميرا، كما البندقية، سلاحًا يُستَخدم للـ"أخذ" و"الالتقاط".

تُظهر الصور من الأعلى، من اليسار إلى اليمين، ما يلي:
شاه سندان في غرب باكستان. المصور غير معروف، ١٩٠١. Mss Eur F111/377، ص. ٣٢ظ
جبل خواجة في سيستان. المصور غير معروف، ١٨٩٤. Mss Eur F111/298, f 9 1
هونج كونج. المصور غير معروف، ١٨٩٨. الأرشيف الوطني البريطاني، CO 1069-480-15. مُستخدمة وفق شروط رخصة المشاع الإبداعي CC BY-NC
جبل الطبيق. المصور غير معروف، عشرينيات القرن العشرين. الأرشيف الوطني البريطاني، CO 1069-732-11. مُستخدمة وفق شروط رخصة المشاع الإبداعي CC BY-NC
والفيس باي في ناميبيا. المصور غير معروف، ١٨٩٨. الأرشيف الوطني البريطاني، CO 1069-212-3. مُستخدمة وفق شروط رخصة المشاع الإبداعي CC BY-NC
خطوط مستقيمة
غالبًا ما تكون صور المشاهد الطبيعية في السجلات الاستعمارية متواضعة. وللوهلة الأولى لا يظهر أي ضير في تلك الصور المكونة من خطوط مستقيمة ومشاهد فارغة. وحين تتضمن تلك الصور أشخاصًا، تُظهرهم من بعيد كشخصيات مجهولة قابلة للتبديل على المسرح الاستعماري. وأحيانًا تُظهر هذه الصور أطلالًا، بحيث تتحول إلى مشاهد لأراضٍ تتوق إلى مجدها الغابر. وتظهر الصور من هذه الشاكلة في سجلات جميع الإمبراطوريات الأوروبية، لتحول، بفضل الكاميرا، أفريقيا والهند والشرق الأوسط وآسيا ومنطقة الكاريبي إلى مناطق متشابهة، رغم البون الشاسع بين ثقافاتها وتضاريسها. وبذلك اختُزلت الجغرافيات المتفردة والتنوع الكبير في الشعوب والأراضي في فئة واحدة هي "الآخر".
فضلاً عن ذلك، تحمل صور المشاهد الطبيعية الاستعمارية أهميةً خاصة بسبب ما لا تظهره. وفي أستراليا عام ١٩٠٤، وصف المصور جون ليندت المشاهد الطبيعية هناك بأنها أشبه بـ "ببداية الزمان" (نقلاً عن هور). ويستدعي هذا الاقتباس التوراتي مقارنةً بين هذه الجغرافيات وخلق الرب للعالم. ومع وجود هذه المساحة الشاسعة من الفراغ الواضح، يصبح في وسع مخيلة المستعمر المسيحي أن تعمل على ملء هذه الآفاق، وتضفي تلك الصور شرعية على "الحاجة" إلى رسالة استعمارية "لنشر الحضارة". وتسمح هذه الفكرة للكاميرا بحجب "الملكية المتوارثة والوجود المستمر لشعوب الأمم الأولى، وتحويل أوطانهم إلى أرض قفار من خلال خفَّة اليد في التصوير الفوتوغرافي" (هور).

من أعلى اليسار، تظهر هذه الصور:
مسندم، عُمان. التقطها ويلفريد ماليسون، ١٩٠٦. IOR/L/PS/20/C260, f 49 2
قبرص. المصور غير معروف، ١٨٩٠-١٩١٠. الأرشيف الوطني البريطاني، CO 1069-695-1. مُستخدمة وفق شروط رخصة المشاع الإبداعي CC BY-NC
خليج ستارلنج، هونج كونج. المصور غير معروف، ١٨٩٨. الأرشيف الوطني البريطاني، CO 1069-452-06. مُستخدمة وفق شروط رخصة المشاع الإبداعي CC BY-NC
جزيرة هرمز. المصور غير معروف، ١٩٠٣. Photo 49/1/15
جزيرة تريستان. المصور غير معروف، ١٩٠٣. الأرشيف الوطني البريطاني، CO 1069-775-2. مُستخدمة وفق شروط رخصة المشاع الإبداعي CC BY-NC
البحر والجو
قد تتسع الفجوة بين الحقيقة وما التقطته عدسة الكاميرا بسبب الظروف المادية أيضًا. فعلى سبيل المثال، ساهمت التكنولوجيا المحدودة للكاميرات التي تستخدم الأفلام، منذ اختراعها عام ١٨٢٦ وطوال القرن العشرين، في زيادة احتمالية أن يكون التعريض الضوئي للصورة غير سليم أو أن تكون الصورة مشوَّشة. وربما تفاقمت الفجوة أيضًا بسبب موقع المصوّر. حيث تضمنت الصور الجوية والملتقطة من على متن سفن مسافة فعلية بين المصور والأرض. علاوةً على ذلك، كانت هذه الصور أكثر تحديًا من الناحية التكنولوجية، مما زاد من احتمالية كون الصور الناتجة مغبشة أو ذات تعريض ضوئي سيء. وبالتالي فإن تلك الصور الملتقطة من على متن السفن للأراضي البعيدة عادةً ما تُظهر ساحلًا متجانسًا مترامي الأطراف جاهزًا للغزو.
وقد ساهمت كل هذه العوامل في خلق ما أطلق عليه إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» "الجغرافيا المتخيلة"، والتي يمكن النظر إليها آنذاك بطريقة تناسب العقلية الاستعمارية. ولا يقتصر ما تقرره هذه العقلية على ما ينبغي وما لا ينبغي تصويره، بل يشمل أيضًا الكيفية التي يتم بها التصوير. وبذلك قام التصوير الاستعماري، من خلال تسطيح الأماكن وتفريغها واحدًا تلو الآخر في صورة تلو الأخرى، بتحديد المعايير الموضوعة للكيفية التي "ينبغي بها" تصوير الأماكن وترسيخ هذه المعايير. وما زالت تلك المجازات البصرية مستخدمة حتى اليوم في التصوير السياحي الحديث. فمن خلال تقليص الأماكن إلى سلسلة من الخطوط سهلة الاستيعاب، تصبح أيضًا "سهلة المعرفة"، وبمجرد معرفتها يمكن فهمها والتحكم فيها.

من أعلى اليسار، تظهر هذه الصور:
أنباك، بين المملكة العربية السعودية وقطر. التقطها سلاح الجو الملكي، ١٩٣٥. IOR/R/15/1/606، ص. ٨١و
بلدة كادونا، نيجيريا. المصور غير معروف، ١٩٣٠. الأرشيف الوطني البريطاني، CO 1069-62-99. مُستخدمة وفق شروط رخصة المشاع الإبداعي CC BY-NC
حصن بني بو علي، عُمان. التقطها سلاح الجو الملكي، ١٩٣٢. IOR/R/15/1/444، ص. ١٢٨ك.و
فلسطين. التقطتها المستعمرة الأمريكية (القدس). قسم التصوير الفوتوغرافي، مصور، حوالي ١٩٠٠-١٩٢٠. مكتبة الكونجرس، قسم المطبوعات والصور الفوتوغرافية، LC-DIG-matpc-05583. ملكية عامة
الماضي الاستعماري
الصورة ليست شيئًا مفردًا يسبح في الفراغ. حيث يمكن قصقصتها وتغييرها وإخراجها من سياقها لتناسب الدوافع الشخصية و/أو السياسية. ومحاولة توصيف الصورة الفوتوغرافية بأنها شيء مفرد تتجاهل أجزائها العديدة. وبدلاً من النظر إلى الصور الفوتوغرافية باعتبارها أشياء خاصة بالاستعمار، علينا أن نتساءل ما إذا كان بإمكاننا تمييز الماضي الاستعماري في تفاصيلها. حينها فقط يمكننا أن نبدأ في إدراك مدى تفشي الاستعمار وخبثه، وكيف أن آثاره حتى اليوم لم تزل محسوسة ومستهانًا بها. وكما قال عالم الأنثروبولوجيا ومؤرخ الفن كريستوفر بيني فإن "الاستعمار يرفض التجزئة التأريخية" (ص. ٣٨٢). وبالتالي، فهو يتمدد، كما يفعل الآن إلى الخارج عبر مساحاتٍ يفترض أنها فارغة إلى ما ورائها وإلى المستقبل.

من أعلى اليسار، تظهر هذه الصور:
قلعة البرتغال القديمة أو قلعة البحرين. المصور غير معروف، حوالي ١٨٧٠. Photo 355/1/39
حصن أبولونيا في بيين، غانا. المصور غير معروف، ١٩٠١. الأرشيف الوطني البريطاني، CO 1069-34-1. مُستخدمة وفق شروط رخصة المشاع الإبداعي CC BY-NC
أطلال قاعة طعام في باسعيدو. المصور غير معروف، ١٩٠١. Mss Eur F111/354، ص. ٤و
أطلال في مناجم النحاس في جزر العذراء. المصور غير معروف، ١٨٨٧. الأرشيف الوطني البريطاني، CO 1069-408-9. مُستخدمة وفق شروط رخصة المشاع الإبداعي CC BY-NC







