عرض عام
الحرب والحماية (١٩١٤-١٩١٥)
ظلت مصر خاضعة للسيطرة العثمانية حتى بعد احتلال بريطانيا لها عام ١٨٨٢ من أجل قمع تمرد. ومع دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى كحليف لألمانيا، تحولت مصر إلى ساحة للصراع على الهيمنة العسكرية الإمبريالية. وفي ديسمبر ١٩١٤، أعلنت بريطانيا أحاديًا أن مصر هي محمية بريطانية، مُنهيةً رسميًا ارتباطها بالدولة العثمانية. وتتجلى توترات تلك المرحلة في بيان موجَّه إلى "شعب مصر" ومنسوب إلى عشيرة السنوسي بليبيا التي عارضت التوسع الاستعماري. وقد ندّد البيان بـ"الأمم المسيحية"، متهمًا بريطانيا بتدمير الصناعة المحلية وإفساد الأخلاق ونشر المسيحية. وقد عكست هذه الاتهامات المقاومة الإقليمية الأوسع للتوسع الإمبريالي الأوروبي.

وكما أقرّ "تقرير البعثة الخاصة إلى مصر برئاسة اللورد ميلنر" لاحقًا، فقد ساهمت المشاعر الوطنية ضمن الخدمة المدنية والمجتمع المصري عامةً بدفع البلاد نحو الحكم الذاتي.

وسعى المسؤولون البريطانيون إلى احتواء هذه التوترات المتنامية عبر استراتيجيات "فرّق تَسُد". ففي عام ١٩١٥، صنف السير مارك سايكس المسلمين إلى "قدامى" و"حداثيين"، مدّعيًا أن "أعظم أملٍ لنا يكمن في الفئة الثانية (القدامى)" (IOR/L/PS/10/525/2، ص. ٢٣٥ظ). وقد أولى اهتمامًا خاصًا بعلماء جامعة الأزهر، معتقدًا أنهم قادرون على "التحكم بمجمل توجهات الفكر الإسلامي القديم وكبح جماح الجماهير الجاهلة من فلاحين لفظٌ استخدمه المسؤولون البريطانيون للإشارة إلى المزارعين أو إلى طبقةٍ اجتماعيةٍ تمثل الزراعة مهنتها الرئيسية. وسكان مدن وبدو" (IOR/L/PS/10/525/2، ص. ٢٣٥ظ). غير أن هذا النهج السلطوي الأبوي أثبت فشله في ظل تنامي الزَّخَم الوطني المصري.
وبلغت إحباطات الشعب المصري ذروتها في ثورة ١٩١٩، وهي انتفاضة وطنية شاملة غذّتها مظالم سياسية واقتصادية واجتماعية، وأدت إلى تغييرٍ جذري في مسار العلاقات المصرية-البريطانية.
بعثة ملينر
في أعقاب ثورة ١٩١٩، أوفدت بريطانيا اللورد ألفريد ميلنر لقيادة لجنة مكلفة بالتحقيق في أسباب الاضطرابات واقتراح إطار سياسي جديد. وفي مواجهة المعارضة المصرية، تخلّى ميلنر عن فكرة فرض الحماية أو ضمّ مصر رسميًا، وأوصى بدلًا من ذلك بإبرام معاهدة تفاوضية. وقد رأى أن على بريطانيا منح مصر قدرًا كبيرًا من الاستقلال في شؤونها الداخلية، مع الإبقاء على السيطرة البريطانية على العلاقات الخارجية والاستراتيجية الإمبريالية. لم يكن هدف ميلنر ضمّ مصر إلى الإمبراطورية البريطانية على غرار الهند، بل منحها وضعًا فريدًا كدولة مستقلة، لكن مرتبطة ببريطانيا في المسائل الدبلوماسية والاستراتيجية. وإذ أقرّت البعثة بأن "تركهم [المصريين] ليضعوا دستورهم بأنفسهم هو بلا شك تجربة جريئة"، فقد كشفت أيضًا الطبيعة المحسوبة للتنازلات البريطانية: "ستساعدنا الكلمة المباركة «الاستقلال» على تجاوز كثير من العقبات" (Mss Eur F112/260، ص. ١٨ظ).

أما الأولوية الحقيقية فظلت "استبعاد التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لمصر"، وهي صيغة صُممت للحفاظ على الوضع المتميّز لبريطانيا (Mss Eur F112/260، ص. ١٨ظ). وقد أرست نتائج بعثة ميلنر الأسس لمفاوضات جديدة بين المسؤولين البريطانيين والوطنيين المصريين سعيًا إلى تسوية تراعي المطالب الشعبية المصرية.
التفاوض على حدود السيادة (١٩٢١-١٩٢٣)
جرت المفاوضات بين اللورد كرزون، وزير الخارجية البريطاني، وعدلي باشا، رئيس الوزراء المصري، في لندن من يوليو إلى نوفمبر ١٩٢١ حيث أراد عدلي باشا لقب عثماني كان يُستخدم عقب أسماء بعض حكام الأقاليم وكبار المسؤولين المدنيين والقادة العسكريين. إنهاء وضع الحماية المفروض على مصر، وهو ما رفضه اللورد كرزون مُصرًا على ضرورة وجود القوات البريطانية لحماية قناة السويس. وتعثرت المفاوضات بسبب خلافات جوهرية بين الطرفين حيث رفض عدلي مقترحات كرزون بشأن المعاهدة لأنه اعتبر حق بريطانيا المزعوم في نشر قوات في أي مكان في مصر بمثابة استمرارٍ للاحتلال، كما اعترض على البنود التي كانت ستربط مصر ببريطانيا في إدارة شؤونها الخارجية واعتبرها متعارضة مع استقلالٍ حقيقي.
في تلك الأثناء، تمكّن سعد زغلول، زعيم حزب الوفد والمعارض لبريطانيا ومنافس عدلي باشا، من تأجيج المعارضة الشعبية. وعند اعتقاله عام ١٩٢١، احتجّ سعد زغلول قائلًا: "هذا أمرٌ جائر أحتجّ عليه بكل ما أوتيت من قوة"، مؤكدًا أنه ورفاقه "مستعدون لمواجهة ما قد يصيبنا بقلوبٍ ثابتة".

وقد قُوبل هذا التحدّي بتصعيدٍ للقمع وصدامات عنيفة، مما أكد استحالة فرض تسوية دون قبول مصري.
الإعلان الأحادي ومحدوديته (١٩٢٢)
أدّت المفاوضات المتعثّرة واستمرار الاضطرابات إلى إصدار الحكومة البريطانية إعلانًا أحاديًا باستقلال مصر في ٢٨ فبراير ١٩٢٢. ورغم اعتراف بريطانيا بمصر كدولة ذات سيادة مستقلة، فقد أصرت على الاحتفاظ بسلطتها على أربع نقاط إلى حين التوصل إلى اتفاق بين البلدين: تأمين اتصالات الإمبراطورية البريطانية في مصر، والدفاع عن مصر ضد أي عدوان أو تدخل أجنبي (مباشر أو غير مباشر)، وحماية المصالح الأجنبية والأقليات، ومسألة السودان (والتي طالبت بها مصر وهو ما رفضته بريطانيا). ومن خلال هذه النقاط، حافظت بريطانيا على جوهر سيطرتها الاستراتيجية على مصر، مما جعل الوضع الجديد أبعد ما يكون عن استقلالٍ حقيقي.

ومع إعلان عام ١٩٢٢ انطلقت حقبة من المفاوضات الدبلوماسية المكثّفة. واستمر النضال من أجل الاستقلال الكامل لأكثر من عقدٍ من الزمن اتّسم بأزمات متكررة وإصلاحات جزئية.
معاهدة التحالف عام ١٩٣٦
مثّل التوصل إلى معاهدة التحالف عام ١٩٣٦ تطورًا هامًا حيث أتت المعاهدة (المعروفة أيضًا باسم المعاهدة الأنجلو-مصرية) في أعقاب مفاوضات مطولة أجرتها عدة حكومات مصرية متعاقبة. وأنهت المعاهدة رسميًا أكثر من خمسة عقود من الاحتلال البريطاني لمصر، لكنها لم تمنح مصر السيادة الكاملة. فقد نصّت على تحالفٍ عسكري لمدة عشرين عامًا يتيح لبريطانيا الاحتفاظ بامتيازات استراتيجية مهمة. وقد أجَّجت المعاهدة الاستياء الوطني في مصر بسبب استمرار الوجود العسكري البريطاني والقيود المفروضة على الاستقلال الحقيقي. وأدى هذا الاستياء في نهاية المطاف إلى قيام حكومة الوفد بإلغاء المعاهدة أحاديًا في عام ١٩٥١، مما مهّد الطريق للاضطرابات الثورية اللاحقة.

الخاتمة
تمكننا الوثائق المتاحة عبر مكتبة قطر الرقمية من تتبع تحولات مصر من ساحةٍ للبروباجاندا الحربية إلى دولةٍ مستقلة. كما تُظهِر الانحسار المتدرج للسلطة البريطانية من الحماية الصارمة عام ١٩١٤، إلى التنازلات المترددة لبعثة ميلنر، فتسويات عام ١٩٢٢، وصولًا إلى المعاهدة التفاوضية عام ١٩٣٦.
وتوضح هذه الوثائق أن الاستقلال لم يكن حدثًا واحدًا، بل حصيلة عقودٍ من التفاوض والصراع والتسوية. وبقدر ما كان طريق مصر نحو الاستقلال مثقلًا بالقيود التي سعت بريطانيا لفرضها، فإن إصرار المصريين على تجاوز تلك القيود هو أهم معالمه.





