عرض عام
في أعقاب الحرب العالمية الأولى، واجه استراتيجيو الإمبراطورية البريطانية "مشكلة ذات سمات غريبة وصعبة" في المنطقة الحدودية بين العراق ونجد (IOR/L/PS/20/C204، ص. ٥ظ). حيث تأسست مملكة العراق في عام ١٩٢١ على أراضي بلاد الرافدين التابعة للدولة العثمانية المنهارة، وكانت كيانًا مستقلًا اسميًا، ولكن فعليًا كان يديرها مسؤولون بريطانيون. وسعى البريطانيون إلى بسط الاستقرار على حدود العراق وتأكيد شرعية دولتهم العميلة الجديدة من خلال حماية السكان وهم من البدو الرُّحَّل في الصحراء الجنوبية. ومما يثير القلق بشكل خاص الغارات عبر الحدود التي شنّها الإخوان، والتي عطَّلت بشدة روتين حياة الرعاة الرُّحَّل. كما شُنَّت هجمات على نجد، سواء من قبل القبائل العراقية أو من قبل الرعايا النجديين التابعين لعبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (المعروف باسم ابن سعود) الذين انتقلوا إلى خارج نطاق حدود سلطته القضائية.
ولقد زادت دورة العنف هذه من خطر نشوب صراع أوسع بين نجد والعراق، الأمر الذي كان سيضرّ بالأهداف الإمبريالية البريطانية في المنطقة. ولذلك كانت السيطرة على الحدود أولوية رئيسية بالنسبة للمسؤولين البريطانيين. ويمكن تقسيم السياسة البريطانية لمكافحة الغارات خلال هذه الفترة بشكل عام إلى مرحلتين: حيث ركَّزت الجهود في المرحلة الأولى على إنشاء نظام للإنذار المبكر والتصدي للهجمات في الوقت الحقيقي؛ وفي المرحلة اللاحقة، قامت القوات البريطانية بعسكرة الحدود في محاولة لمنع الغارات بشكل كامل.
جمع المعلومات الاستخباراتية وشبكات الاتصالات
شكّلَت مكافحة الغارات في هذه المنطقة الكبيرة ذات الكثافة السكانية المنخفضة تحديًا هائلًا. فبدأ المسؤولون البريطانيون بإرسال مسّاحين لرسم خريطة لها، وتحديد أراضي الهبوط لسلاح الجو الملكي والمواقع المناسبة للمحطات اللاسلكية. ومن الواضح أن التجربة المشتركة للخدمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى أثّرت على كيفية تعامل الموظفين البريطانيين مع موضوع الغارات. على سبيل المثال، تحتوي إحدى الخرائط التي نتجت عن هذه المسوحات على إضافة رسم للجبهة الغربية "[لـ]إعطاء فكرة عن المسافات."

اعتمد رسم خرائط الصحراء على تقنيات جديدة نسبيًا. فباستخدام السيارات والطائرات، تمكن الملازم والتر جيمس داينز من إعادة رسم خريطة لصحراء مساحتها ٣٠،٠٠٠ ميل مربع بين فبراير ومايو ١٩٢٥. واقترنت جهود رسم الخرائط بالدوريات الجوية وبناء محطات لاسلكية. ومن خلال الجمع بين هذه العناصر، كانت الإدارة البريطانية العراقية تأمل في الحصول على نظام استخباراتي نشط يُمْكنه اكتشاف الضربات الوشيكة، وتحذير الرعاة القريبين من أجل الفرار، وإرسال رد مسلح قبل الضربات المحتملة.

وعلى الرغم من أن هذا النظام حقق بعض النجاحات، إلا أنه بشكل عام لم يُقلل بشكل كبير من عدد الغارات عبر الحدود ولم يبنِ الثقة في الحكومة العراقية بين القبائل المتضررة.
القوة الجوية
تبنَّى استراتيجيو الإمبراطورية البريطانية التطورات في الحرب الجوية التي تحققت خلال الحرب العالمية الأولى. فقدمت الطائرات طريقة واقعية لتحديد مواقع الأطراف المُغِيرة وملاحقتها ومهاجمتها قبل انسحابها من الحدود. ويبدو أن الدوريات الجوية كان لها بعض التأثير الرادع. ففي عام ١٩٢٥، أفاد جون فريدريك هيجنز، قائد القوات الجوية البريطانية في العراق، أن الغارات قد انخفضت بشكل كبير بعد فترة مركّزة من الدوريات الجوية. كما اعتقد الضباط البريطانيون المشرفون على العمليات ضد الإخوان قوة عسكرية إسلامية ساهمت في صعود ابن سعود إلى السلطة. أن القصف الجوي كان له تأثير نفسي قوي ويمكنه أن "يذكِّرَ البدو [هكذا ورد] الذين لديهم ذاكرة قصيرة المدى بأن الحكومة كانت لا تزال جادة" (IOR/R/15/5/38، ص. ١٠٠و). وعلى الرغم من ذلك، من الواضح أن هذا لم يكن كافيًا لردع المُغِيرين، واستُخدمَت القوة الجوية بشكل أساسي كرد فعل. وأي طرف مُغيرٍ تفادى الكشف قبل هجومه كان لا يزال لديه فرصة ممتازة في الهروب بدون عوائق. وخلال عشرينيات القرن العشرين، اتخذ الاستراتيجيون البريطانيون نهجًا أكثر عدوانية.

المناطق العازلة: "الأكفورس" وعملية ١٩٢٨
في عام ١٩٢٨، نشرت القوات البريطانية استراتيجية جديدة ضد المُغِيرين. وأُنشئَت منطقة عازلة على الجانب النجدي من الحدود عن طريق طرد جميع السكان من المنطقة. وكان الهدف من ذلك منع المهاجمين من التجمع قبل أي هجوم أو الاختباء بين الجماعات السلمية. فشُكّلَت وحدة عسكرية خاصة تعرف باسم "الأكفورس" تضمنت الطائرات والسيارات المدرعة والمشاة. وكانت قاعدة العمليات في محطة قطار اور، مع قواعد متقدمة في الصحراء محمية بسيارات مدرعة. وبمجرد تأمين هذه القواعد، بدأت طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني في "اكتساح البلاد حتى الحدود، ولمسافة سبعين ميلًا وراءها، لإخلائها من جميع قبائل نجد" (IOR/L/MIL/17/15/62، ص. ٧و). ولقد أسقطت القوات الجوية البريطانية أولًا منشورات، وأمرت القبائل بالإخلاء، ثم أسقطت أيضًا قنابل تحذيرية بالقرب من الجماعات التي لم تمتثل للأوامر. وتزعم المصادر البريطانية المعاصرة أنه تم تطهير المنطقة العازلة بدون أي إصابات بين القبائل النجدية، على الرغم من إطلاق النار على بعض حيواناتهم.
وفي ظل ظروف مثالية، مكَّنت هذه المنطقة العسكرية "الأكفورس" من اكتشاف الغارات والرد بشكل استباقي. ففي أبريل ١٩٢٨، على سبيل المثال، حذرت الاستخبارات من هجوم وشيك على نجد، وحددت طائرات "الأكفورس" موقع الطرف المُغِير قبل أن يتمكن من شن هجوم، وأمرته بالعودة إلى الأراضي العراقية. ثم ألقت السيارات المدرعة القبض على القادة الذين سُلِّموا إلى السلطات المدنية. ومع ذلك، كانت هذه النجاحات نادرة، وظل من المستحيل تأمين الحدود. ولتجنُّب تعطيل المفاوضات التي بدأت في جدة بين الإخوان قوة عسكرية إسلامية ساهمت في صعود ابن سعود إلى السلطة. وابن سعود، علَّقَت "الأكفورس" أنشطتها على الجانب النجدي من الحدود، وتمَّ حلّ الوحدة في يونيو من ذلك العام.
نهاية الإخوان
كافحت الإدارة البريطانية في العراق لأكثر من عقد ضد مشكلة التوغلات عبر الحدود. ولم يُسفر تطبيقها لأساليب وتقنيات جديدة إلا عن نتائج هامشية. ولم يُرفع خطر الغارات إلا من خلال تحوّل سياسي داخل نجد نفسها. فبحلول مارس ١٩٢٩، تدهورت العلاقات بين ابن سعود ورعاياه من الإخوان، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى حظر ابن سعود للغارات، وكان العديد من قادة الإخوان قوة عسكرية إسلامية ساهمت في صعود ابن سعود إلى السلطة. البارزين في حالة تمرد مفتوح. وأدت هزيمة حركة الإخوان قوة عسكرية إسلامية ساهمت في صعود ابن سعود إلى السلطة. المتمردة في معركة السبلة إلى تشرذمها ودفعت قادتها إلى الاستسلام أو الفرار. ومع ذلك، فإن أساليب مكافحة الغارات التي طُوِّرت في العقد السابق لم تَضِعْ بالكامل. ويدين ابن سعود بجزء من انتصاره للسيارات المدرعة والمدافع الرشاشة التي قدمتها بريطانيا، وكذلك لطائرات سلاح الجو الملكي البريطاني التي قاتلت إلى جانب قواته. ويمكننا القول إن التقدم التقني بحد ذاته لم يهزم الإخوان قوة عسكرية إسلامية ساهمت في صعود ابن سعود إلى السلطة. ولم يُنهِ الغارات عبر الحدود، ولكنه عندما اقترن بتحوّل حاسم في السياسة النجدية، أثبت فعاليته العالية.





