رفضٌ للحماية: ثورة ١٩١٩ في مصر

اقتبس هذه المقالة

عرض عام

تحوَّل وفد قومي مصري مرفوض إلى شرارة أشعلت لهيب الثورة في مصر.

خلال الشهرين الأخيرين من عام ١٩١٨، تبادلت المقيمية مكتب تابع لشركة الهند الشرقية، ومن ثمّ للراج الهندي، أُسِّس في الأقاليم والمناطق التي كانت تُعتبر جزءًا من الهند البريطانية أو ضمن نطاق نفوذها. البريطانية في القاهرة ووزارة الخارجية في لندن سيلًا من البرقيات. وباتت تتقاطع من سرعة تكرارها؛ إذ كانت الجهتان تتبادلان ما يصل إلى ثلاث أو أربع برقيات في بعض الأيام. وكان من الصعب مواكبة الوتيرة التي تسارعت بها الأحداث في مصر، حتى باستخدام أسرع تقنيات الاتصالات في ذلك الوقت.

"حملة منظمة ضد المحمية": استهلالٌ للاضطرابات

قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت مصر تابعة للدولة العثمانية اسميًا، أما فعلًا فكانت تُحكم من لندن. وتمكنت الحكومة البريطانية بفعل سطوتها على الأسرة الحاكمة في مصر من ممارسة نفوذ استعماري من دون الحاجة إلى ضم مصر رسميًا. واختل هذا التوازن الدقيق حين انضمت الدولة العثمانية إلى دول المركز في أكتوبر ١٩١٤. وانتقامًا منها، أعلنت بريطانيا استقلال "سلطنة مصر" عن العثمانيين، وأعلنتها في نفس الوقت "محمية بريطانية".

وحين وضعت الحرب أوزارها، واستعدت قوى الحلفاء لمؤتمر باريس للسلام، بدأت طبقة متعلمة في مصر، كما في سائر أنحاء الإمبراطورية البريطانية، تروّج أفكارًا قومية مستلهمة من إعلان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون عن حق الشعوب في تقرير المصير. وفي برقية بتاريخ ١٧ نوفمبر ١٩١٨، كتب المندوب السامي البريطاني في مصر، ريجنالد وينجيت، إلى وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية، آرثر بلفور، أنه استقبل ثلاثة من هؤلاء القوميين في المقيمية مكتب تابع لشركة الهند الشرقية، ومن ثمّ للراج الهندي، أُسِّس في الأقاليم والمناطق التي كانت تُعتبر جزءًا من الهند البريطانية أو ضمن نطاق نفوذها. البريطانية في القاهرة. وكان أحدهم هو الزعيم القومي المصري، سعد زغلول.

مقتطف من برقية وينجيت المؤرخة في ١٧ نوفمبر ١٩١٨. Mss Eur F112/259، ص. ٧و
مقتطف من برقية وينجيت المؤرخة في ١٧ نوفمبر ١٩١٨. Mss Eur F112/259، ص. ٧و

وطلب القوميون الذين نظموا أنفسهم بعد ذلك ليأسسوا "حزب الوفد"، وهو أقدم الأحزاب السياسية المصرية اليوم، أن يذهبوا إلى لندن لعرض رؤاهم القومية. ورُفض هذا الطلب، رغم الدعم الذي قدمه له السلطان (الملك لاحقًا) المصري فؤاد الأول وأبرز أعضاء حكومته. وبعد رفض بريطاني متكرر بالسماح للقوميين بالسفر، استقال مجلس الوزراء المصري، وصعّد القوميون حملتهم. واعتبر المسؤولون البريطانيون ذلك "حملة منظمة موجّهة ضد المحمية" وواجهوها بالقمع.

مقتطف من برقية من وينجيت إلى بلفور، ٢٥ نوفمبر ١٩١٨. Mss Eur F112/259، ص. ٧ظ
مقتطف من برقية من وينجيت إلى بلفور، ٢٥ نوفمبر ١٩١٨. Mss Eur F112/259، ص. ٧ظ

ورغم أن وينجيت أطلع رؤساءه بشكل مباشر ومُلِّح على التطورات في مصر، فقد أبدوا استياءً من استقباله للقوميين في المقيمية مكتب تابع لشركة الهند الشرقية، ومن ثمّ للراج الهندي، أُسِّس في الأقاليم والمناطق التي كانت تُعتبر جزءًا من الهند البريطانية أو ضمن نطاق نفوذها. البريطانية في المقام الأول. ثم أُوكلت مهمة إدارة الأمور في غيابه إلى ميلن تشيثام، الذي اتخذ قرارًا في مواجهة تصاعد الحملة القومية، يُنظر إليه اليوم بأنه كان الشرارة التي أطلقت ما بات يُعرف بثورة ١٩١٩: إذ أمر بالقبض الفوري على سعد زغلول وثلاثة من رفاقه ونفيهم. ووُضعوا على متن سفينة ونُقلوا إلى مالطا في ٧ مارس ١٩١٩. وفي اليوم التالي، اندلعت المظاهرات في كافة أنحاء البلاد.

صورة لقاعدة تمثال سعد زغلول في الأسكندرية، مصر، تظهر سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي أثناء زيارتهم لوينجيت في المقيمية البريطانية في القاهرة في نوفمبر ١٩١٨ (حقوق النشر محفوظة لمريم أبو العز)
صورة لقاعدة تمثال سعد زغلول في الأسكندرية، مصر، تظهر سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي أثناء زيارتهم لوينجيت في المقيمية البريطانية في القاهرة في نوفمبر ١٩١٨ (حقوق النشر محفوظة لمريم أبو العز)

مأخوذون على حين غرة تمامًا: التقييم البريطاني للاضطرابات

لم تكن بريطانيا مستعدة لحجم الاضطرابات ولا لما صاحبها من عنف. وكان واضحًا أن الحملة اتخذت طابعًا قوميًا، مع مشاركة الفلاحين لفظٌ استخدمه المسؤولون البريطانيون للإشارة إلى المزارعين أو إلى طبقةٍ اجتماعيةٍ تمثل الزراعة مهنتها الرئيسية. والأقباط والنساء في التظاهرات والأنشطة المناهضة للبريطانيين. واضطرت السلطات البريطانية إلى إرسال تعزيزات، تضمنت نشر طائرات، "لمواكبة الاضطرابات" واستعادة خطوط النقل والمواصلات التي كانت قد قُطعت بفعل التظاهرات (Mss Eur F112/259، ص. ٣١و).

وفي ٢٠ مارس، عُيّن الجنرال إدموند ألنبي، الذي حظي باحتفاء كبير بفضل نجاحاته العسكرية في فلسطين، المندوب السامي في مصر والسودان، وأُرسل إلى هناك لاستعادة النظام. وبعد وقت بسيط من وصوله، أمر بالإفراج عن سعد زغلول ورفاقه ورفع القيود المفروضة على سفرهم، بما منح فعليًا المصريين الراغبين في السفر إلى أوروبا للتعبير عن آرائهم السياسية حرية القيام بذلك. وانتقد المسؤولون البريطانيون لاحقًا تلك الإجراءات.

وخلال محاولة المسؤولين البريطانيين استعادة السيطرة على مصر، كانوا يحاولون أيضًا فهم ما قد حدث. إن "مذكرة عن الاضطرابات في مصر" كتبها رونالد جراهام، مساعد وكيل وزارة الخارجية في مصر، في أبريل ١٩١٩ تُجمل بعضًا من الأسباب الكامنة خلف الفوضى وتذهب إلى ما هو أبعد من نفي زغلول. ومن بين تلك الأسباب، برز سببان رئيسيان، أولهما هو أن "[المصريين] الذين كانوا يطمحون في السابق إلى الحصول على حرية تعبير سياسية أكبر، باتوا الآن يتطلعون إلى الاستقلال التام" (Mss Eur F112/259، ص. ٣١ظ)، وثانيهما أن جراهام اعترف أن " الفلاحين لفظٌ استخدمه المسؤولون البريطانيون للإشارة إلى المزارعين أو إلى طبقةٍ اجتماعيةٍ تمثل الزراعة مهنتها الرئيسية. يواجهون مظالم حقيقية جدًا بفعل الحرب" (Mss Eur F112/259، ص. ٣٢و)، نبعت من تجنيدهم إجباريًا ومصادرة مواردهم لصالح فيلق نقل الجمال البريطاني في الحرب العالمية الأولى. 

مقتطف من "مذكرة جراهام عن الاضطرابات في مصر"، ٩ أبريل ١٩١٩. Mss Eur F112/259، ص. ٣١ظ
مقتطف من "مذكرة جراهام عن الاضطرابات في مصر"، ٩ أبريل ١٩١٩. Mss Eur F112/259، ص. ٣١ظ

الخاتمة

مثلت ثورة ١٩١٩ المصرية نقطة تحول في علاقة بريطانيا بمصر. وكانت تقييمات المسؤولين البريطانيين التي تهوّن من الوضع غير منطقية في مواجهة اعتراف ألنبي بالوضع القائم. ولخصت دبلوماسية رونالد جراهام الحذرة صراع بريطانيا للتوفيق بين السيطرة الإمبريالية والضغوط القومية المتنامية. وحين بيّنت الثورة أن مصر لا يمكن أن تُحكم من دون إرادة شعبها، أثبتت أنها لم تكن مجرد رد فعل على ترحيل زغلول وإنما ذروة عقود من الاستغلال الاقتصادي والخضوع السياسي ووعود الحرب التي أُخلف بها. وكانت، فوق ذلك كله، إعلانًا أن المصريين يرغبون في تقرير مصيرهم.